|
التكييف القانوني للوقائع
يحدث كثيراً في مجال القانون أن تورد النصوص التشريعية أمراً ما – عند توافر حالة واقعية معينة – وذلك دون أن تتضمن هذه النصوص سوى إعطاء تحديد جزئي أو مبهم لهذه الوقائع .
وفي هذه الحالات يكون على رجل القانون سواء القاضي أو المحامي أن يقوم ببحث وتحديد الوقائع التي عرفتها النصوص - وبعبارة أخرى تكييف هذه الوقائع تكييفاً قانونياً .
فالمقصود بالتكييف القانوني للوقائع إذن : هو إدراج حالة واقعية معينة داخل إطار فكرة قانونية .
وإذا كانت عملية التكييف تقتضي إجراء مقابلة بين الحالة الواقعية ونصوص القانون ، فإنه يجب ألا نغفل ما تتضمنه هذه العملية من جهد إنشائي وخلاق ، يبعد بها عن أن تكون مجرد عمل آلي يتم بملاحظة مطابقة الوقائع للنصوص .
ويوضح العميد فيدل أن عملية التكييف : تقتضي من القائم بها جهداً مزدوجاً في خصوص عنصري الوقائع والقانون ، فالنسبة لعنصر القانون نلاحظ أنه مهما بغلة درجة تحديد النصوص التشريعية أو اللائحية في تعريفها للوقائع ، فإن هذه النصوص تظل تتسم بالعمومية والتجريد ، وعلى من يقوم بالتكييف أن يسعى للتوصل إلى استخلاص قاعدة تطبيقية من هذا النص العام المجرد ، وهو يتوصل إلى ذلك عن طريق تخصيص أو تجسيد النص – أي أعطائه معنى أكثر تحديداً وأقل عمومية .
أما بالنسبة لعنصر الواقع ، فإنه على العكس يجب العمل على تجريد الحالة الواقعية والعمل على رفعة الواقعة الفردية إلى مستوى عمومية نص القانون ، وذلك عن طريق إغفال كل العناصر عديمة الجدوى ، والعمل على إبراز الصفات التي تميز الواقعة من وجهة النظر القانونية .
وهكذا فإنه عن طريق تخصيص القاعدة القانونية وتجريد الواقعة المادية يمكن التوصل إلى قيام التطابق بينهما .
ومن حيث الأسلوب الذي يتبعه من يقوم بالتكييف يلاحظ فينسا : أنه يمكن التفرقة بين طائفتين من الأفكار القانونية ، فهناك حالات نكون فيها بصدد أفكار قانونية هي بطبيعتها محددة على نحو موضوعي وثابت ومثال ذلك عندما ينص القانون على تحريم ألعاب المقامرة وهي أعمال بينها خاصية واضحة هي قيامها على عنصر المصادفة أو المضاربة – لذلك لا نستطيع على أساس هذا التحريم الذي قرره القانون أن نمنع لعبة الشطرنج التي تقوم على أساس من التوقع الموضوعي الدقيق ، ولا تتضمن أية عناصر تقربها من المجازفة التي تقوم عليها ألعاب المقامرة .
ففي هذه الحالات التي تتميز بوضوح الفكرة القانونية التي تضمنتها النصوص ، فإنه يمكن ربط الفكرة القانونية المجردة بخصوصية وقائع الحالة المادية عن طريق القيام بسلسة من العمليات المنطقية تتمثل في تخصيص النص للوصول إلى تعريف محدد العناصر يسهل تطبيقه على الوقائع محل البحث ، ومن الواضح في هذه الحالة أن عملية التكييف منطقية تتمثل في تفسير الفكرة القانونية التي تضمنها النص .
غير أن النصوص القانونية قد تتضمن نوعاً آخر من الأفكار يصعب التوصل إلى تعريفها أو تحديدها عن طريق التحليل المنطقي وحده على النحو السابق ، وإنما يتم التوصل إلى تكييفها عن طريق التحليل الفحص الشامل لظروف الحالة الواقعية ، بحيث يبدو التكييف في هذه الحالة بمثابة انطباع تأصيلي يتولد من فحص الظروف الواقعية ، ولا يمكن فصله عنها ففي هذه الحالة يختلط التكييف بتقدير الوقائع .
وهذا التحليل الذي قدمه فينسا له أهمية في فهم وبيان الدور الذي يقوم به القاضي في رقابته على تكييف الوقائع .
ومجمل القول أن طبيعة الدور الذي يقوم به القاضي عند تصديه لتكييف الوقائع لا زالت تثير جدلاً في الفقه ؟
فهناك جانباً من الفقه يرى أن هذه الرقابة تقتضي في كثير من الأحيان أن يستخدم القاضي تقديره الشخصي للوقائع ، وأنه يصعب لذلك القول بأن القاضي عند قيامه بالتكييف أن يظل داخل إطار القانون .
وهناك جانب آخر يرى أن على القاضي أن يقوم بذلك – لأنه إن يفعل ذلك فإنه يفعله للوصول إلى تفسير مقصد المشرع من النص ، حيث أنه في الغالب يكون هناك غموضاً تشريعياً يدفع القاضي إلى القيام بذلك .
إذن النتيجة النهائية أن التكييف القانوني لا يمكن تقديره بمعزل عن الوقائع ، من ثم فبعد قيام القاضي بالتحقق من الوجود المادي للوقائع يقوم بإعمال الجهد الذهني على النحو الموضح بعالية ، غير أن هناك طائفة من الوقائع يأخذ بها القاضي كما هي ويتحقق فقط من وجودها المادي وهو الوقائع التي تتصل بمسائل تتسم بالطابع العلمي أو الفني – فمثل تقدير الحالة المرضية يأخذ القاضي بنتيجة التقرير الطبي لإثبات الحالة العقلية أو مدى الإصابة ... الخ ، فيتحقق فقط من الوجود المادي لها .
أشرف رويه |